كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ولها يقول حسان:
وهان على سَرَاة بني لُؤَيٍّ ** حريقٌ بالبُوَيْرة مستطير

وفي ذلك نزلت: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لينَةٍ} الآية.
واختلف الناس في تخريب دار العدوّ وتحريقها وقطع ثمارها على قولين: الأول أن ذلك جائز؛ قاله في المدوّنة.
الثاني إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا؛ قاله مالك في الواضحة.
وعليه يناظر أصحاب الشافعي، ابن العربي: والصحيح الأوّل.
وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخل بني النَّضير له؛ ولكنه قَطع وحَرَّق ليكون ذلك نكاية لهم ووَهْنًا فيهم حتى يخرجوا عنها.
وإتلافُ بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعًا، مقصودة عقلا.
الرابعة قال الماوردي: إن في هذه الآية دليلًا على أن كلّ مجتهد مصيب.
وقاله إلكِيَا الطَّبَريّ قال: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت؛ فتلَقَّوا الحكم من تقريره فقط.
قال ابن العربيّ: وهذا باطل: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه: أخذًا بعموم الأَذِيّة للكفار، ودخولًا في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاْجتياح والبوار: وذلك قوله تعالى: {وَلِيُخْزِيَ الفاسقين}.
الخامسة اختلف في اللِّينة ما هي؛ على أقوال عشرة: الأوّل النخل كله إلا العَجْوة؛ قاله الزهري ومالك وسعيد بن جُبير وعِكْرمة والخليل.
وعن ابن عباس ومجاهد والحسن: أنها النخل كله، ولم يستثنوا عَجْوة ولا غيرها.
وعن ابن عباس أيضًا: أنها لون من النخل.
وعن الثوري: أنها كرام النخل.
وعن أبي عبيدة: أنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبَرْنِي.
وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصّةً.
وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه السلام في السفينة.
والعتيق: الفحل.
وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها؛ حكاه الماورديّ.
وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمره: اللَّون، تمره أجود التمر، وهو شديد الصفرة، يُرَى نواه من خارجه ويغيب فيه الضِّرس؛ النخلة منها أحبّ إليهم من وَصِيف.
وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض.
وأنشد الأخفش:
قد شجاني الحمام حين تَغَنَّى ** بفراق الأحباب من فوق لِينَهْ

وقيل: إن اللِّينة الفَسِيلة؛ لأنها ألين من النخلة.
ومنه قول الشاعر:
غَرَسُوا لِينها بمجرى مَعِين ** ثم حَفّوا النخل بالآجام

وقيل: إن اللينة الأشجارُ كلّها للينها بالحياة؛ قال ذو الرمّة:
طِراقُ الخَوَافي واقعٌ فوق لِينة ** نَدَى ليله في ريشه يترقرق

والقول العاشر أنها الدقَل؛ قاله الأصمعي.
قال: وأهل المدينة يقولون لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان؛ يعنون الدَّقَل.
قال ابن العربيّ: والصحيح ما قاله الزهريّ ومالك لوجهين: أحدهما أنهما أعرف ببلدهما وأشجارهما.
الثاني أن الاشتقاق يَعْضُده، وأهل اللُّغة يصححونه؛ فإن اللينة وزنها لُونة، واعتلّت على أصولهم فآلت إلى لِينة فهي لون، فإذا دخلت الهاء كُسر أولها؛ كَبْرك الصدر (بفتح الباء) وبِرْكه (بكسرها) لأجل الهاء.
وقيل لِينة أصلها لِوْنة فقلِبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
وجمع اللينة لِين.
وقيل: لِيان؛ قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه:
وسالفة كسَحُوقِ اللِّيا ** نِ أضْرَم فيها الغَويُّ السُّعُرْ

وقال الأخفش: إنما سميت لينة اشتقاقًا من اللَّون لا من اللين.
المهدوِىّ: واختلف في اشتقاقها؛ فقيل: هي من اللون وأصلها لونة.
وقيل: أصلها لِينة من لان يلين.
وقرأ عبد الله {ما قطعتم مِن لِينةٍ ولا تركتم قوماء على أصولها} أي قائمة على سوقها.
وقرأ الأعمش: {ما قطعتم مِن لِينةٍ أو تركتموها قُوَّمًا على أصولِها} المعنى لم تقطعوها. وقرئ: {قَوْماء على أُصُلِها}.
وفيه وجهان: أحدهما أنه جمع أصلٍ؛ كَرَهْن ورُهُن. والثاني اكْتُفِي فيه بالضمة عن الواو.
وقرئ: {قائمًا على أصوله} ذهابًا إلى لفظ {ما}. {فَبِإِذْنِ الله} أي بأمره {وَلِيُخْزِيَ الفاسقين} أي ليذلّ اليهود الكفار به وبنبيّه وكتبه.
قوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ} هذه الآية والتي بعدها إلى قوله: {شَدِيدُ العقاب} فيها عشر مسائل:
الأولى قوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ الله} يعني ما ردّه الله تعالى: {على رَسُولِهِ} من أموال بني النَّضِير. {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} أوْضَعْتم عليه.
والإيجاف: الإيضاع في السير وهو الإسراع؛ يقال: وَجَفَ الفرسُ إذا أسرع، وأوجفته أنا أي حركته وأتعبته؛ ومنه قول تميم بن مقبل:
مَذاوِيد بالبِيض الحديث صِقالها ** عن الركب أحيانًا إذا الركب أوْجَفُوا

والركاب الإبل، واحدها راحلة.
يقول: لم تقطعوا إليها شُقّة ولا لقيتم بها حربًا ولا مشقة؛ وإنما كانت من المدينة على مِيلَيْن؛ قاله الفرّاء.
فمشَوْا إليها مَشْيًا ولم يركبوا خيلًا ولا إبلًا؛ إلا النبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه ركب جملًا وقيل حمارًا مخطومًا بليف، فافتتحها صلحًا وأجلاهم وأخذ أموالهم.
فسأل المسلمون النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يَقسم لهم فنزلت: {وَمَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} الآية.
فجعل أموال بني النَّضير للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصَّةً يضعها حيث شاء؛ فقسمها النبيّ صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين.
قال الواقديّ: ورواه ابن وهب عن مالك؛ ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر محتاجين؛ منهم أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشة، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمّة.
وقيل إنما أعطى رجلين، سهلًا وأبا دُجَانة.
ويقال: أعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحُقَيق، وكان سيفًا له ذِكْرٌ عندهم.
ولم يُسلم من بني النَّضير إلا رجلان: سفيان بن عمير، وسعد بن وهب؛ أسلما على أموالهما فأحرزاها.
وفي صحيح مسلم: عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً، فكان ينفق على أهله نفقةَ سنة، وما بقى يجعله في الكُرَاع والسلاح عُدّةً في سبيل الله تعالى.
وقال العباس لعمر رضي الله عنهما: اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن يعني عليا رضي الله عنه فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير.
فقال عمر: أتعلمان أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا نُورَث ما تركناه صدقة» قالا نعم.
قال عمر: إن الله عز وجل كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة ولم يُخَصِّص بها أحدًا غيره.
قال: {مَّا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب} ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا. فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النَّضير، فوالله ما استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسْوَةَ المال... الحديث بطوله، خرّجه مسلم.
وقيل: لما ترك بنو النَّضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم فيها حظ كالغنائم؛ فبيّن الله تعالى أنها فَيْءٌ وكان قد جرى ثَمّ بعضُ القتال؛ لأنهم حوصِروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، ولم يكن قتال على التحقيق؛ بل جرى مبادئ القتال وجرى الحصار، وخص الله تلك الأموال برسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد: أعلمهم الله تعالى وذَكَّرهم أنه إنما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كُراع ولا عُدّة.
{ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاءُ} أي من أعدائه.
وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصّةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه.
الثانية: قوله تعالى: {مَّا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى} قال ابن عباس: هي قُرَيْظَة والنَّضير، وهما بالمدينة وفَدَك، وهى على ثلاثة أيام من المدينة وخَيْبَر.
وقُرَى عُرَينة ويَنْبُع جعلها الله لرسوله.
وبَيّن أن في ذلك المال الذي خصه بالرسول عليه السلام سُهْمانًا لغير الرسول نظرًا منه لعباده.
وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها، هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال؛ فقال قوم من العلماء: إن قوله تعالى: {مَّا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى} منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخُمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل.
وكان في أوّل الإسلام تُقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولا يكون لمن قاتل عليها شيء.
وهذا قول يزيد بن رومان وقتادة وغيرهما.
ونحوه عن مالك.
وقال قوم: إنما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا رِكاب؛ فيكون لمن سمَّى الله تعالى فيه فَيْئًا والأُولى للنبيّ صلى الله عليه وسلم، إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين.
وقال معمر: الأُولى للنبيّ صلى الله عليه وسلم.
والثانية هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه.
والثالثة الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين.
وقال قوم منهم الشافعيّ: إن معنى الآيتين واحد؛ أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم؛ أربعة منها للنبيّ صلى الله عليه وسلم.
وكان الخمس الباقي على خمسة أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب لأنهم مُنِعوا الصدقة فجعل لهم حق في الْفَيْء.
وسهم لليتامى.
وسهم للمساكين.
وسهم لابن السبيل.
وأما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي كان من الْفَيْء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعيّ في قول إلى المجاهدين المترصِّدين للقتال في الثغور؛ لأنهم القائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام.